الغوغاء في غياب النظام

ده مش مقال سياسي خالص… بل اجتماعي ثقافي أخلاقي بحت

من كام شهر حضرت مسرحية في مسرح صغير كانت التذاكر فيه من غير أرقام للكراسي. وطبعاً حصلت الحركة الشهيرة – والسيئة – ان كل حد كان بيوصل الأول كان بيحجز صف بحاله في الأمام لأصدقائه اللي لسة موصلوش. أما بقى اللي تعب نفسه وجه بدري هو وشلته كلها… يتفلق عادي.. أو يقعد ورا خالص أو يتفرقوا هو واللي معاه وكل واحد فيهم يقعد في حتة، مش مهم.

المناقشة اللي حصلت بيني أنا وصحابي اليوم ده كانت شبه كده..

• “الناس قليلة الذوق بجد”

– “دي مش غلطتهم دي غلطة المنظمين انهم مش بيقولولهم حاجة”

• “دي مشكلة الحفلات اللي من غير أرقام كراسي”

– “النوع ده من الحفلات مينفعش في مصر”

أما التعليق اللي جه في دماغي ومقولتوش ساعتها فكان:

…الموضوع ملوش علاقة بمصر والمصريين. أي مجموعة من الناس متواجدين في مكان من غير نظام محدد هيعملوا اللي هم عايزينه واللي في مصلحتهم. الفرق بس ان “هناك” بيبقى فيه نظام والناس بتضبط نفسها عليه، وهنا بننسى نحط أي نظم وبندعي ان ضمير وأخلاق الناس هي اللي توجههم. بننسى ان الانسان كان أصله – لا مؤاخذه – عايش في كهف، وفي غابة. وان جواه ما زال ولن يزال يبحث عن مصلحته هو أولاً.

تعليقاتنا اليومية على أخلاق ورقي وتحضر الناس – أو عدمهم، وتساؤلاتنا عن وجود نظام ومدى تطبيقه أو معرفة الناس بيه من الأصل؛ هي أحد الدوائر المفرغة الكتير أوي في بلدنا.

هل الموضوع إن “المصريين منعدمي الضمير والأخلاق والانضباط ومفيش حد هيعرف يحكمهم”؟ أم أن “طول ما مفيش قوانين صارمة وعقوبات واضحة وتطبيق للاتنين مفيش حد هيمشي مضبوط – لا مصريين ولا غيره”؟!

لو بصينا في التاريخ هنلاقي ان كل حاجة لها علاقة بالبني آدم كانت بتبدأ عشوائية وملهاش معالم واضحة لحد ما ييجي حد يقترح لها شكل مضبوط وبعدين الاقتراح ده يتحول لقانون والقانون ده يبقى رسمي ويكون فيه حد بيشرف على تطبيقه… وبعد فترة طويلة بتتحول كل الحاجات دي لأسلوب حياة والناس تنسى الشكل القديم للحاجة من أصلها.

ولو بصينا للي بيحصل في الغرب (وكتير من دول الشرق ومعظم بلاد العالم إلا قلة – بس ما علينا) هنلاقي ان الناس ماشية منضبطة. هل ده عشان هم ناس أحسن مننا؟ أو عندهم أخلاق واحنا معندناش؟ ده في رأيي أمر مستبعد. لأن نفس الناس دي من قرون أو عشرات السنين حتى كانوا زيينا ويمكن أسوأ؛ نفس الغوغائية، ونفس عدم احترام الآخر والأنا-نية. بل وفيه كتير منهم كان عندهم شراسة وعنصرية وحاجات كتير بعيدة عن الأخلاق والرقي تماماً..

ليه؟ لأن هي دي طبيعة البشر، الانسان بيحب نفسه، وبيفَضَل مصلحته في أغلب الأحيان. اللي بيخليه يتطور عن الاحساس الأنوي ده إما حبه للي حواليه (وده بينتهي عند دائرة الأهل والأصحاب و أحياناً المعارف)، أو كيان أكبر منه يقول له ممكن تعمل ده ومينفعش تعمل ده.

أمال إيه الي حصل هناك ومحصلش هنا؟ اللي حصل إن النظم اتحطت واتطبقت على الكل. والناس اتعودت تمشي عليه إما عشان عارفة إنه في مصلحة الكل أو عشان خايفة من العقاب. بس في الآخر النتيجة واحدة: كله بقى “بيعمل الصح” من غير ما يفكر. وبقى الظاهر من بره ان الناس دي كلها متحضرة وراقية من نفسها…مع إن كل الموضوع إنهم اتعودوا يحترموا قانون صارم ويخافوا من عقابه لحد ما بقى جزء من حياتهم.

وعلى فكرة القانون ده مش لازم يكون من الدولة أو الحكومة. ممكن يكون نظام المدرسة، أو النادي، أو الشركة أو المبنى الفلاني أو حتى مجموعة من الناس منظمين حفلة! مجرد وجود حد بيقول قواعد محددة بشكل واضح واللي مش عايز يمشي على الكلام ده ممكن يختار يبقى في مكان تاني.

منقدرش ننكر إن نسبة قليلة أوي من البشر (مش بس المصريين) بتفضل الآخر على نفسها، أو بتعمل اللي في مصلحة الجميع قبل مصلحتها. وحتى الناس دي في ظروف معينة هتختار نفسها برضه – زي إنك تكسر الإشارة لما تكون مستعجل بس. عشان كده مينفعش نسيب كل واحد يعمل اللي هو عايزه وبعدين نرجع نقول الناس دي غوغائية ومعندهاش ذوق.

علشان مطولش عليكم وندخل في كلام عن النظام والحكومة ومين بيحط القوانين ومين بيطبقها والكلام اللي دمه تقيل ده… من الآخر، لو أنت مسؤول عن أي مكان أو حدث أو مجموعة من الناس لأي سبب، اعمل قواعد محددة وعقوبات محددة ووصلها بشكل واضح واشرف على تطبيقها انت أو الفريق اللي معاك. والناس فعلاً هتحترمها وتمشي عليها. لو كل حد عمل كده – من أول منظمي حفلة في مسرح العرايس لحد المرور والمواصلات والذي منه؛ ساعتها نقدر نقول المصريين دول عندهم أخلاق ولا معندهمش.

Eman Omar

Eman Omar

Eman is a mass of crazy on legs! Continuously on the hunt for something exciting to keep her on her toes, she is ready to try something new every day – because what’s the point of living if not on the edge? Give her ice cream or cinnamon rolls (pretty much anything sweet), and you’ll win her right away. Talk to her about books, music, food, arts and writing, and you’ll be her best friend! She believes in her dreams and wants to fly one day – literally and figuratively.